محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
818
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
شأن كذلك يحاسبهم غدا ولا يشغله شأن عن شأن ؛ وفي الحديث : « إنّ اللّه تعالى يحاسب الخلق في قدر حلب شاة » 97 وفي رواية « في أقلّ ممّا بين الظهر والعصر . » 98 وقال أهل المعاني « 1 » : معنى الحساب ( 337 ب ) تعريف اللّه تعالى عباده أعمالهم من الخير والشرّ وتذكيره إيّاهم ما قد نسوه ، وإذ كان عالما بجميع أفعالهم فيعرّفهم ذلك ثمّ يجازيهم على ذلك ، وهذا معنى قول الزجّاج ؛ لأنّ الفائدة في الحساب الوقوف على المقادير من الأعمال والأقوال ؛ فيقدر الجزاء على تلك المقادير . الأسرار قال الذاكرون أشدّ الذكر : إنّ الذكر على معنيين : ذكر بالقلب وضدّه النسيان وذكر باللسان وضدّه اللعب واللهو ، ومن قضى مناسكه فليذكر اللّه شكرا على توفيقه لأدائها على ما أمر وأوجب هربا من حوله وقوّته وتوكّلا على حول اللّه وقوّته ، وإن كان ذكر [ الآباء ] مشروعا في ثني تلك المناسك ؛ ولهذا قرنه بذكر الآباء فقال : كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً وإنّما مثّل ذكر اللّه بذكر الآباء ؛ فإنّ الآباء أسباب وجوده في هذا العالم ، واللّه تعالى مسبّب الأسباب ؛ فوجب ذكر اللّه شكرا على أنّه مسبّب الأسباب كما وجب ذكر الآباء شكرا على أنّهم من جملة الأسباب ، وذلك هو السرّ في قوله تعالى : وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً قرن الإحسان بالوالدين بالتوحيد والعبادة ؛ لأنّهما واسطتان في إيجاد الموجود وإحداث المولود . ثمّ الوالدان على قسمين : أحدهما والدان هما سببا وجود شخصه في هذا العالم ، والثاني والدان هما سببا وجود روحه في ذلك العالم ؛ وهما أحقّ بالشكر ؛ فإنّ والدي الشخص قضيا وطرا حتّى حصل المولود في هذا العالم ، وأنّ والدي الروح هجرا أوطارا حتّى حصل المولود في ذلك العالم ؛ وقد قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - : « إنّما أنا لكم مثل الوالد » 99 وقال : « أنا وأنت يا عليّ ! أبوا هذه الأمّة » 100 وصاحب التنزيل بالأبوّة أولى وصاحب التأويل بالأمومة أولى ، ولذلك ينسب المؤمنون يوم يأتي التأويل بالأمّهات .
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : المعاني .